الأبناء على من تقع مسئولية تربيتهم؟ وهل على المرأة أن تتحمل وحدها مسؤولية التربية؟
إن التربية مفهوم شامل لبناء الروح والعقل والجسد، فهل نطلب من امرأة جاهلة أن تحسن تربية أبنائها؟ والجهل هو عكس المعرفة، والمعرفة والعلم لا يعنيان الكتابة والقراءة فقط، بل هما مراكمة الخبرات والتجارب المكتسبة من هذه الحياة، مع الوعي الناتج عن القراءة والمطالعة، ومعرفة أحوال معيشة الناس في العالم، وهما بحر لا ينضب أبداً.
كل النساء يعرفن ما هو العمل المنزلي، وقد يحبه البعض وقد لا يحبه بعضهن الآخر، لكنهن جميعهن مجبرات في مجتمعنا على ممارسته، لأنه إن لم يقمن به فمن سيقوم به؟ مربيات أو شغالات أجنبيات؟ نساء أيضاً تركن عائلاتهن وبلادهن من أجل لقمة العيش، هذا العمل الذي يصفه البعض بالمهمة الخطيرة والجليلة هو عمل روتيني مُمل، عمل لا يفيد عقل المرأة ولا روحها أو جسدها بشيء.
إننا نعتقد أن التثمين الحقيقي والفعلي لدور ربة البيت يجب أن يسير في مسارين متوازيين، المسار الأول؛ خاص بالأب وأفراد الأسرة جميعاً، حيث من الضروري تعزيز روح العمل الجماعي المشترك والاعتماد على الذات، ليتكرس أسلوب التعاون بين أفراد الأسرة، ولا يُعتمد على الأم وحدها في القيام بجميع الأعمال والمهام المنزلية.
أما المسار الثاني؛ فهو خاص بالمجتمع والدولة، حيث من الضروري الدفع الدائم لسّن قوانين وتشريعات تضمن حقوق ربة البيت، وتثمن قيمته، وتعطي تسهيلات خاصة للمرأة العاملة، وخاصة الأم، مثل قانون الأحوال الشخصية وإجازات الأمومة وغيرها.
إن المجتمع العربي الذي نعيش فيه مجتمع غير صحيح في بنيته الاجتماعية وغير صحي في مناخه الثقافي والنفسي، نتيجة للوضع غير الطبيعي للأسرة فيه، المرأة غالباً طرف سالب في المجتمع، والرجل طرف إيجابي فيه، لكنه سالب في الأسرة، لذلك يجب ألا تُلام المرأة في مجتمعاتنا الخليجية والعربية إن كانت اهتماماتها هامشية بل وسخيفة أحيانًا، لأن المهمات المُلقاة على عاتقها مهمات هامشية، ومن المفترض أن يشترك الاثنان معاً في تأدية جميع الواجبات والمهمات الأسرية.
إن التعاون بين الطرفين في التربية، وفي تأدية الأعمال المنزلية، يقلل الوقت والجهد المبذول فيها، كذلك وعيهما بأهمية دورهما المشترك في تطوير المجتمع، يجعل اهتمامات المرأة تتوجه لأمور جادة، كالتعليم والمعرفة ومتابعة الأحداث محلياً وعربياً وعالمياً، لتعيش كإنسان طبيعي يتفاعل مع الواقع والأحداث، يؤثر في الحياة ويعطي ويأخذ منها على قدر طاقته وإمكانياته، ثم علينا أن نتساءل لماذا لا تعاني أغلب الدول الأوروبية الصناعية المتقدمة من مشكلة (الخدم)؟
أولاً: لأنها دول وشعوب مُنتجة مُعتمدة على ذاتها يعمل فيها الرجل والمرأة على السواء، شعوب منتجة لا مستهلكة كالشعب الخليجي خاصة، شعوب عرفت أهمية العمل والعلم بالنسبة للإنسان واعتبرته شرفاً بل واجباً وطنياً، شعوب عرفت أهمية الوقت وقيمة الزمن، وعرفت أيضاً أهمية وقيمة الإنسان؛ سواء كان رجلاً أو امرأة. ولسنا هنا بصدد طرح إيجابيات وسلبيات هذه الدول أو الشعوب، ولكننا نعرفها جيدًا، وعلينا أخذ إيجابياتها وترك سلبياتها.
وثانياً: لأن أغلب الأزواج هناك يتعاونون في أداء العمل المنزلي وفي تربية الأولاد.
وثالثا: في المجتمعات المتقدمة توجد خدمات كثيرة مساندة للمرأة العاملة، مثل الرياض والحضانات القريبة والمُجهّزة بكل الوسائل اللازمة.
نكرر: لماذا نقول إن المجتمع العربي الذي نعيش فيه مجتمع غير صحيح في بنيته الاجتماعية وغير صحي في مناخه الثقافي والنفسي؟ ما مظاهر الخطأ في بنيته وتركيبته الاجتماعية؟
هناك العديد من المظاهر السلبية التي تتمثل في النظرة السلبية للمرأة، ونعطي أمثلة على ذلك:
1- مسألة الشرف، بعض الدول العربية تُحلل قتل وسفك دم المرأة من قبل عائلتها بمجرد أنها اختارت شريك حياتها الذي تحبّ، بل حتى لو تعرضت للاغتصاب، وفي حال اختلاف الزوجين أو العائلتين فإن سهولة التعرض والطعن في شرفها أمر وارد.
2- غالبًا لا يمكن الاختيار الفردي الحرّ واتخاذ القرار في مجتمعاتنا بالنسبة لكل من المرأة والرجل عمومًا، والمرأة خصوصًا، سواء في اختيار شريك الحياة أو حتى في الانفصال عنه، ومن يحدد المسار الحياتي للمرأة على الأغلب هو الوضع العائلي (القبلي) لكل من الطرفين؛ من حيث الأصل والفصل، والدين والمذهب، والمستوى المعيشي، ونظرة المجتمع والخوف من الناس وتحاشي كلامهم، الخ.
3- مفهوم العلاقة مرهون بالمرأة، كيف؟ مثلًا: إذا حدثت أية مشكلة في الحياة الأسرية؛ فإن على الأغلب من يقع عليه اللوم والمحاسبة هو المرأة، إذا حدث إن فقدت الفتاة عذريتها قبل الزواج فهي المُلامة فقط، وإذا حدث فشل في العلاقة الزوجية فهي المُلامة أيضاً، وهكذا دواليك.
4- بُعد الرجل الواعي عن تطبيق ما يؤمن به عمليًا، فقد يكون الرجل واع ومثقف نظريًا، لكن على الصعيد العملي والواقعي، قليلًا ما نراه يُطبّق ما يؤمن به نظريًا، وربما لأسباب كثيرة منها أسباب نفسية أو اجتماعية أسرية، أو مصلحية، أو غيرها، لكن في المحصلة النهائية النتيجة واحدة.
5- مشكلة المرأة مع المرأة، حيث على الأغلب تقع المرأة فريسة صراع، لتتخذ موقف غالبًا ما تكون فيه عدوة نفسها، فمثلاً إذا تزوج الرجل من زوجة ثانية، فإن الكراهية تسقط على الزوجة الثانية وليس على الرجل. والأمثلة كثيرة لا تُحصى.
والخلاصة إن أغلب الأمور الإيجابية والسلبية التي قد تحدث في البيئة الأسرية، تتحمل تبعتها ومسئوليتها المرأة أكثر من الرجل، من تربية الأبناء، وصولاً إلى الطلاق أو الخيانة الزوجية.
لذلك علينا أن نضع معايير جديدة لتقييم وتقويم الوضع الأسري، وأهمها ضرورة مشاركة الزوجين في تربية الأبناء.
-----------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو






